ابن ميمون

275

دلالة الحائرين

نظر رابع فلسفي أيضا . معلوم أنا نرى دائما أمورا تكون بالقوة فتخرج إلى الفعل . وكل ما يخرج من القوة إلى الفعل فله مخرج خارج « 112 » عنه كما ذكر في المقدمة الثامنة عشرة . وبيّن هو أيضا ان ذلك المخرج كان مخرجا بالقوة ثم صار مخرجا بالفعل . وعلة كونه كان بالقوة اما لمانع من نفسه ، أو لنسبة ما كانت مرتفعة بينه وبين ما اخرجه . فلما حصلت تلك النسبة اخرج بالفعل ، وكل واحد من هذين يقتضي مخرجا أو مزيلا عائقا « 113 » ضرورة . وهكذا يلزم ان يقال في المخرج الثاني أو مزيل العائق ، وهذا لا يمر إلى لا نهاية ، فلا بد من الانتهاء لمخرج من القوة إلى الفعل يكون موجودا ابدا على حالة واحدة قوة لا فيه أصلا . اعني انه لا يكون فيه في ذاته شيء بالقوة ، لأنه ان كان في ذاته امكان فقد يعدم ، كما ذكر في الثالثة والعشرين . ومحال ان يكون هذا ذا مادة ، بل مفارقا كما ذكر في الرابعة والعشرين . والمفارق الّذي لا امكان فيه أصلا ، بل هو موجود بذاته ، هو الإله وقد تبيّن انه لا جسم فهو واحد ، كما ذكر في المقدمة السادسة عشرة . وهذه كلها طرق برهانية على وجود إله واحد لا جسم ولا قوة في جسم مع اعتقاد قدم / العالم . وهذا أيضا طريق « 114 » برهانية على نفى التجسيم واثبات الوحدانية ؛ وذلك أنه لو كان إلهان « 115 » للزم ضرورة ان يكون لهما معنى واحد يشتركان فيه ، وهو المعنى الّذي به استحق كل واحد منهما ان يكون إلها ، ولهما معنى اخر ضرورة « 116 » ، به وقع التباين وصارا اثنين . اما بان يكون في كل واحد منهما معنى غير المعنى الّذي في الاخر ، فيكون كل واحد منهما مركبا من معنيين فلا واحد منهما سببا أولا « 117 » ، ولا لازم الوجود باعتبار ذاته ، بل كل واحد منهما ذو أسباب كما بيّن في التاسعة عشرة . وان كان معنى التباين موجودا في أحدهما ، فذلك الّذي فيه المعنيان غير / واجب الوجود بذاته .

--> ( 112 ) خارجا : ت ، خارج : ج ( 113 ) - مزيل عائق : ت ، مزيلا عائقا : ج ( 114 ) طريق : ت ، طرق : ج ( 115 ) إلهان : ت ، الهين ج ( 116 ) اخر ضرورة : ت ، ضرورة اخر : ج ( 117 ) أولا : ت ، اوّل : ج